عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
85
معارج التفكر ودقائق التدبر
* وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 29 ) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ( 30 ) : لم يكن لدى المشركين ذريعة يردّدونها بتكرار ، في مقابلة دعوة الدّعاة المنذرين لهم بعذاب اللّه يوم القيامة ، مع احتمال إهلاكهم بعذاب معجّل في الدّنيا ، إلّا أن يقولوا لهم : أبينوا لنا الوقت الّذي يكون فيه ما تنذروننا به إن كنتم صادقين في هذا الإنذار ، فإذا لم تبيّنوا لنا هذا الوقت فأنتم كاذبون في إنذاركم ، وفي كلّ ما تدعوننا إليه من هذا الدّين الجديد ، الّذي جاء به محمّد ، واستجبتم له فيه واتّبعتموه . وطرح هذا السّؤال ، وربط الصّدق في خبر الوعد الّذي وعدوه بأن يكون مقترنا ببيان الوقت الّذي سيكون فيه جهالة فكريّة أو مغالطة ، وهذا الثاني هو الأحرى بالاعتبار ، لأنّ المشركين كانوا يصدّقون كهّانهم في أمور مستقبليّة دون أن يعلموهم بأوقات حصولها ، ومعظم أخبار الكهّان المستقبليّة كاذبة . إنّ الصّدق في الإخبار بأحداث ستكون في المستقبل القريب أو البعيد ، لا يشترط فيه العلم بالوقت الّذي ستكون فيه ، حتّى في الوعود الإنسانيّة . كم يقول إنسان لمن يعده سأزورك ، ويكون صادقا في وعده ، ويريد زيارته حقّا ، ثمّ يحدّد وقت الزّيارة فيما بعد . كذلك يكون في مواعيد تهديد وإنذار النّاس بعضهم لبعض ، فإنّ أكثرها لا يقترن ببيان أوقات التّنفيذ ، ويأتي التّنفيذ مباغتة . على أنّ مواعيد اللّه عزّ وجلّ محدّدة المواقيت عنده ، ولكنّه جلّ جلاله لا يخبر في معظمها بمواقيت حصولها ، وممّا أخفاه اللّه على كلّ عباده في السّماوات والأرض وقت قيام السّاعة .